محمد أبو زهرة
1277
زهرة التفاسير
ثم بين سبحانه وتعالى سعة فضله وجليل حكمته ، وإحاطة علمه ، فقال عزّ من قائل : وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ أي أن رحمة اللّه تعالى واسعة ، وفضله عظيم ، لا يكون لقبيل دون قبيل ، وإن تعدد من يؤتون فضلا لا يغض من قدر الفضل عند غيرهم ، فالذين يريدون أن يحتكروا الهداية ، أو يحتكروا بينهم وفي أوساطهم رسالة اللّه إلى أهل الأرض ، إنما يضيّقون واسعا ، ويحسدون الناس على ما آتاهم اللّه من فضله من غير أن يعود عليهم من هذا الحسد شئ . ووصف سبحانه وتعالى ذاته بأنه واسع مع أن الظاهر سعة فضله ؛ لبيان أن شمول فضله شأن من شؤونه سبحانه ، يظهر آثاره في خلقه ، فما من شئ في هذا الوجود إلا وهو بفضله سبحانه وتعالى . وقد اقترن وصف السعة هنا بوصف العلم ، للإشارة إلى أن فضله تعالى هو على مقتضى علمه ، فهو يعطى من يشاء بمقتضى فضله وعلمه ، فما من شئ يكون من اللّه تعالى لعباده إلا بميزان ، وكل شئ عند ربك بمقدار ؛ وإنه بمقتضى هذا يختص هذا برحمته ، ويختص آخر بنوع آخر ؛ ولذا قال سبحانه وتعالى : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ اختص تستعمل لازمة ومتعدية ، فيقال اختصه اللّه بفضله ، ويقال اختص بفضل اللّه ، واللّه سبحانه وتعالى بمقتضى علمه وحكمته يختص برحمة معينة من رحماته خلقا من خلقه ، فقد يقول قائل إن كل من في الوجود في رحمة اللّه تعالى ، ما من أحد من خلق اللّه تعالى إلا ناله نصيب من رحمة اللّه ، ومنهم من يشكر ، ومنهم من يكفر ، فلم عبر سبحانه وتعالى بهذا الاختصاص ، ولا عام أعم من رحمة اللّه ، ولا عموم إلا في فضل اللّه تعالى ؟ . والجواب عن ذلك أن الرحمة التي يختص اللّه تعالى بعض عباده بها هي الرحمة النوعية ، فيختص سبحانه هذا بالعلم ، وذلك بالمال ، وهذا بالجاه ، وذلك